(x) انّي منـــــيح
قالوا أحَبَّ القسُّ سَلَّامَـةً
وهو التقىُّ الورِعُ الطَّاهِـرُ
كأنما لم يَدرِ طعمَ الهَوى
والحُبِّ إلا الرَّجُلُ الفاجِرُ
يا قومِ إنِّى بَشرٌ مِثلُكم
وفاطِرى ربُّكُم الفاطِرُ
لي كَبدٌ تَهفو كأكبادِكُم
ولِى فؤادٌ مثلكُم شاعِرُبهذهِ الكلمات نطقَ شعراً الأديب والشاعر على أحمد باكثير ومن مقامِ الصَّبا لحن رياض السنباطى لتتغنى بها الست أم كلثوم عامَ 1945 ضمن أحداث فيلمها سَلَّامة. فمن هىَ سلَّامَة هذه؟ ومن هو القَسُّ الذى أحبَّها كلُّ هذا الحُب !!!!؟
سَلَّامة هى جارية سهيل بن عبد الرحمن، مغنية وشاعرة و قارئة ومؤرخة ومتحدثة، اجتمعَ لها من الجمالِ والحُسنِ والعلم والثقافة وطلاوة الصوت ما لم يجتمع لغيرها من نساءِ عصرها ! اشتراها أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بعشرين ألف دينار وكان يقول: ما يقرُّ عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة، وحينَ ملكها قال: ما شاء بعدُ من أمر الدنيا فليفتني!
أما القَسُّ فهو عبد الرحمن بن أبي عمار من أشهر زهاد مكة المكرمة، لقَّبَهُ أهلُ زمانِهِ بالقسِّ لعبادته ونسكهِ وورعهِ وتقواه، أحبَّ القَسُّ سلَّامة وأُولِعَ بها عندما سمعها - على غير ذات تعمِّدٍ منه ذات مرَّة - فوقعت من نفسهِ موقعاً وتيَّمتهُ حدَّ الافتتان، وصار يغالِبُ هواهُ بها لكن شعرهُ فيها ذاعَ واشتهرَ وتناقلتهُ الألسن، فصارَ حديثَ الناسِ فى كلِّ محفلٍ ومجلسٍ وطريق، وشدَت بقصتهما الرُّكبان وجرَت أحداثُها على ألسنة المؤرخين والقصَّاصين، وتناولتها الكتب قديماً وحديثاً، كأبى الفرج الأصفهانى فى أغانيه، وكعلى أحمد باكثير فى روايته “سلَّامةَ القَس” وكمصطفى صادق الرافعى فى وحى القلم.استمع إلى عبد الرحمن يقولُ فيها :
أهابَكِ أن أقولَ بذلتُ نفسى
ولو أنِّى أطيعُ القلبَ قالا
حياءً منكِ حتى سُلَّ جِسمي
وشقَّ علىَّ كِتمانى وطَالاويقولُ أيضاً :
سلامٌ هل لي منكمُ ناصِر
أم هل لقلبي عنكمُ زاجر؟
قد سمعَ الناسُ بوجدِى بِكُم
فمنهمُ اللائمُ و الـعـَاذِرويقولُ فيها :
إن التي طرقتكَ بـين ركـائبٍ
تمشى بمزهرها وأنت حَـرام
لتصيدَ قلبـكَ أو جـزاءَ مـودةٍ
إن الرفيقَ لهُ عـلـيكَ ذِمـامُ
باتت تعلِّلُنا وتحـسَـبُ أنـنـَّا
في ذاكَ أيقاظٌ ونـحـنُ نـيامُ
حتى إذا سطعَ الضياءُ لناظرٍ
فإذا وذلـكَ بـينـنـا أحـلامُ
قد كنتُ أعذلُ في السَّفاهة أهلَها
فاعجَب لما تـأتـى بـه الأيام
فاليومَ أعذرهُم وأعلـمُ أنـَّمـا
سبلَ الضلالةِ والهُدى أقـسَـام
لكنَّ إنصافاً لعبد الرحمن وسيرته النقيَّة لابد من وقفةٍ هنا …الرجل كان ورعاً وفاضلاً وناسكاً من الزهاد، لم يرتكب إثماً ولم يقرب حراماً.. اللهم إن كان تعلق فؤاده بسلَّامة وتعشقهِ إياها- وهو مما لا حيلة له فيه ولا يد - مما يعدُّه الناسُ حراماً !من يقرأ ما كتبهُ على أحمد باكثير وما كتبه الرافعىَّ فى وصف القصة وما ساقاه من أحداثها وكيف انتهت لابد أن يذرفَ الدمعَ على حبٍّ كهذا حالت دون تتويجهِ صروفُ الليالى ونوائب الأيام، وسيدرك القارىء أن ورعَ عبد الرحمن وتقواه وخشيتهِ لله جعلته ينصرفُ عنها - برُغمِهِ - وهو فى أشد حالات حبِّهِ لها وصبابتهِ بها.
ربما انتهت القصةُ تاريخياً عند هذا الحد، فما ذكرت كتبُ التاريخ ما حدث بعدها لكليهما وما انطوت عليه نفسُ كلٍّ منهما من ضنىً ولوعةٍ وأسىً، ووحدهُ الله سبحانه من يعلم..لكنى لا أستطيع أن أمنع خيالى من تصوِّر حالِ كلٍّ منهما منفرداً بعدما فارقَ صاحبهُ وخليلهُ ونصفهُ الآخر.
أغلبُ الظنِّ أن عبد الرحمن قد انصرفَ للعبادة وانقطع للعلم ملتمساً فيهِ السلوى وراجياً سعادةً أعلى فى القربِ من اللهِ، راجياً عنده العزاءَ والسُّلوان..ولعلَّ نفسهُ قد طابَت وسكَنَت وسَلا محبوبتهُ ونسِى.
أما سلَّامة فلا أظنُّها سَلَت عنهُ أو نسيته أبدَ الدهـر - ولو حَرِصَت - وأنَّى لها نسيانهُ والسُلُوِّ عنه ! وهل لمثلِ عبد الرحمن الفقيه الورعُ النقىّ التقىّ أن يُنسى !؟
للأيامِ يَدٌ تمسَح كما أنَّ لها يداً تجرح ؟ ربما ! لكن ما تمسَح بهِ يدُ الأيامِ، أتُراهُ يكافىءُ ذاكَ الذى بهِ جرحَت !!!؟ ….لا أظنُّ.



![awesomephilia:
This little kid fell and the seal seemed to be very worried about her [via | video]](http://24.media.tumblr.com/5e93e236eaf0eedf590be7aac9946eaa/tumblr_mmwrbcEP8c1r3k73wo1_400.gif)






